قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«من تفكّر في ذات الله فقد تزندق»فما معنى هذا القول؟
ولماذا يكون التفكر في ذات الله موجبًا للزندقة؟
وهل التفكر في الله ممنوع مطلقًا أم في جهة مخصوصة؟
النص الشريف مركَّب من شرطٍ وجوابٍ:
فعل الشرط: من تفكر في ذات الله،
جواب الشرط: فقد تزندق.
فهو بيانٌ لقانونٍ كونيٍّ عميق،
إذ ليس النهي هنا مجرّد تحريمٍ فكري، بل كشفٌ عن عدم ملاءمة هذا الفعل لكونية الإنسان.
فكل نهيٍ صادرٍ من الله ورسوله ووليه إنما هو كاشفٌ عن أنّ مورده لا ينسجم مع حقيقة الإنسان التكوينية،
بينما كلّ أمرٍ إلهيٍّ كاشفٌ عن ما يلائم تلك الحقيقة ويعيدها إلى أصلها النوراني.
فالإنسان تكوينًا مكوَّن من:
الأمر: وهو وجهه الآدمي النوراني،
النهي: وهو وجه النفس الأمّارة المظلم.
ولهذا جاء الشرع آمرًا وناهيًا ليهدي الإنسان بالأمر إلى كماله، ويحذّره بالنهي من الزيف العارض على فطرته.
المحور الأول: تحويل النهي إلى صيغة مباشرة
يمكن إعادة تركيب الجملة الشرطية لتصبح نهيًا مباشرًا:
«لا تتفكر في ذات الله، لأن ذلك يؤدي إلى الزندقة».
أي أنّ النهي ليس عن التفكر بالله، بل عن التفكر في ذاته التي لا سبيل إليها.
المحور الثاني: معنى “ذات الله” في ضوء التكوين
الذات الإلهية ليست أمرًا وجوديًا في داخلنا حتى يُتَفكَّر فيها،
بل هي حقيقة خارجة عن الوجود الإنساني والكوني كلّه.
فالتفكر فيها لا يوصلك إلى ذاتك ولا إلى حقيقتك الآدمية،
بل يقطعك عن نفسك وكونك.
ومن هنا نُدرك أن كلّ أمرٍ شرعيٍّ كاشفٌ عمّا يوصلك إلى حقيقتك،
وكلّ نهيٍ شرعيٍّ كاشفٌ عمّا لا يوصلك إليها.
المحور الثالث: معنى الزندقة بلغة القانون الفوقي
الزندقة في هذا السياق ليست عنوانًا فقهيا فحسب، بل حالة تكوينية،
وهي الوقوع في الوهم والاتهام:
الوهم: لأن الذات الإلهية لا تُدرَك،
فكلّ محاولةٍ لتصوّرها هي إسقاط لمحمولاتٍ بشرية على موضوعٍ لا سنخ له معنا.
الاتهام: لأن الأحكام الناتجة من الوهم تكون باطلةً ومضلّلة،
فيُتَّهَم الحق ويُنسَب النقص إليه.
فكل تفكرٍ في ذات الله يُدخل العقل في الوهم، والنفس في الاتهام، وهذه هي الزندقة العملية.
المحور الرابع: الزندقة كخروجٍ من الآدمية
من يتفكر في ذات الله يخرج من حقيقته الآدمية باحثًا عن ما لا طاقة له به،
فإذا خرج من آدميته وقع في هوى نفسه، لا في معرفة الله.
فالله جعل “الآدمية” مرآة لصفاته الفعلية،
ولم يجعلها مطلعةً على ذاته الأحدية.
وأقصى كمال الآدمية هو أن تكون خاتمًا للصفات الإلهية من “الرحمن” إلى “الصبور”.
فمن تجاوز حدود آدميته فقد خرج من الذكر إلى الغفلة.
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾
فالتفكر في الذات الإلهية عَشْوٌ فكريّ يخرج الإنسان من نور الذكر إلى ظلمة الوهم،
فيقع في قرين النفس الشيطانية.
المحور الخامس: الزندقة كنمطٍ عمليٍّ
الزندقة ليست فكرًا فقط، بل منهجٌ عمليّ في التعامل مع الله.
فكلّ من يتعاطى مع “الذات” دون “الفعل” الإلهي،
يقع في نفس التجربة الشيطانية الأولى حين قال إبليس:
“أنا خير منه”،
رافضًا السجود للفعل الإلهي المتجلي في آدم،
لأنه أراد التعاطي مع الذات لا مع أمرها.
فصار رمزًا عمليًا للزندقة.
المحور السادس: الانحراف عن منهج محمد وآل محمد
كلّ عملٍ لا يقوم على منهج محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم)
هو خروجٌ عن الآدمية، لأنهم الواسطة الكونية بين فعل الله وخلقه.
ومن هنا فإن التفكر في ذات الله انفصالٌ عن الفعل المحمدي،
فيقع صاحبه في الزندقة التي حقيقتها:
“المعيشة الضنك” المذكورة في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾
فالمعيشة الضنك أثر الزندقة،
والذكر المحمدي العلوي هو سبيل النجاة منها.
الخلاصة المنهجية:
النهي عن التفكر في ذات الله ليس حظرًا للعقل، بل حمايةٌ للفطرة من الانقطاع عن أصلها.
كلّ أمرٍ إلهيٍّ يكشف عن ما ينسجم مع كونية الإنسان،
وكلّ نهيٍ إلهيٍّ يكشف عن ما لا ينسجم معها.
الزندقة هي الانفصال عن فعل الله عبر محاولة إدراك ذاته،
فيقع الإنسان في أوهامٍ نفسيةٍ وظلماتٍ فكريةٍ.
سبيل النجاة هو التفكر في فعل الله وآثاره، لا في ذاته:
لأن الفعل الإلهي هو الطريق الوحيد إلى معرفة صفاته.
من تجاوز حدّه فقد وقع في ضدّه؛
فـمن تفكر في ذات الله خرج من الأمر الإلهي إلى الفعل الشيطاني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق